الجصاص
27
أحكام القرآن
باب الجاني يلجأ إلى الحرم أو يجني فيه قال الله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) . قال أبو بكر : لما كانت الآيات المذكورة عقيب قوله : ( إن أول بيت وضع للناس ) موجودة في جميع الحرم ، ثم قال : ( ومن دخله كان آمنا ) ، وجب أن يكون مراده جميع الحرم ، وقوله : ( ومن دخله كان آمنا ) يقتضي أمنه على نفسه سواء كان جانيا قبل دخوله أو جنى بعد دخوله ، إلا أن الفقهاء متفقون على أنه مأخوذ بجنايته في الحرم في النفس وما دونها ، ومعلوم أن قوله : ( ومن دخله كان آمنا ) هو أمر وإن كان في صورة الخبر ، كأنه قال : هو آمن في حكم الله تعالى وفيما أمر به ، كما نقول : هذا مباح وهذا محظور ، والمراد أنه كذلك في حكم الله وما أمر به عباده ، وليس المراد أن مبيحا يستبيحه ولا أن معتقدا للحظر يحظره ، وإنما هو بمنزلة قوله في المباح : " افعله على أن لا تبعة عليك فيه ولا ثواب " وفي المحظور : " لا تفعله فإنك تستحق العقاب به " وكذلك قوله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) هو أمر لنا بإيمانه وحظر دمه ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم [ البقرة : 191 ] فأخبر بجواز وقوع القتل فيه وأمرنا بقتل المشركين فيه إذ قاتلونا ؟ ولو كان قوله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) خبرا لما جاز أن لا يوجد مخبره ، فثبت بذلك أن قوله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) هو أمر لنا بإيمانه ونهي لنا عن قتله . ثم لا يخلو ذلك من أن يكون أمرا لنا بأن نؤمنه من الظلم والقتل الذي لا يستحق أو أن تؤمنه من قتل قد استحقه بجنايته ، فلما كان حمله على الإيمان من قتل غير مستحق عليه بل على وجه الظلم ، تسقط فائدة تخصيص الحرم به ، لأن الحرم وغيره في ذلك سواء ، إذا كان علينا إيمان كل أحد من ظلم يقع به من قبلنا أو من قبل غيرنا إذا أمكننا ذلك ، علمنا أن المراد الأمر بالإيمان من قبل مستحق ، فظاهره يقتضي أن نؤمنه من المستحق من ذلك بجنايته في الحرم وفي غيره ، إلا أن الدلالة قد قامت من اتفاق أهل العلم على أنه إذا قتل في الحرم قتل ، قال الله تعالى : ( ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم [ البقرة : 191 ] ففرق بين الجاني في الحرم وبين الجاني في غيره إذا لجأ إليه . مطلب : في حكم الجاني في غير الحرم إذا التجأ إليه وقد اختلف الفقهاء فيمن جنى في غير الحرم ثم لاذ إليه ، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد : " إذا قتل في غير الحرم ثم دخل الحرم لم يقتص منه ما دام فيه ، ولكنه لا يبايع ولا يؤاكل إلى أن يخرج من الحرم فيقتص منه ، وإن قتل